حسن موسى الشفيعي

الإنضمام للبروتوكول الإختياري:

مخاوف البحرين وتطلّعاتها

حسن موسى الشفيعي

أثارت موافقة البحرين على التوصية المقدمة لها من مجلس حقوق الإنسان في جنيف (سبتمبر 2012) بدراسة الإنضمام الى البروتوكول الإختياري لمناهضة التعذيب (OPCAT).. اهتماماً محلياً ودولياً. وطرحت تلك الموافقة جملة من الأسئلة والقضايا المتعلّقة بالبروتوكول نفسه وآليات عمله، وأهدافه وغيرها؛ وكذلك بشأن الجهات المكلفة بتطبيقة، وعلاقتها بالدولة المعنية.


مالجديد في البروتوكول من حيث الغايات، حتى يحوز على أهمية دولية، ويصبح بذاته مطلباً للمهتمين بالشأن الحقوقي محلياً ودولياً؟ بمعنى آخر ما هي القيمة المضافة لهذا البروتوكول طالما ان الدول المعنية ـ وبينها البحرين ـ قد انضمّت أساساً الى الإتفاقية الدولية لمناهضة التعذيب (CAT)؟


الجديد في البروتوكول الإختياري، مسألة عمليّة محضة، غرضها منع التعذيب قبل أن يقع، فهو (معاهدة تنفيذية). ولا يوجد قضايا محورية أخرى يهتم بها البروتوكول غير هذا (منع التعذيب). وما يميزه هنا أنه يهتم بالتركيز على المسائل الوقائية، فهو آلية تتطلّع الى المستقبل، وتقوم على أساس التعاون الثلاثي بين الدولة الطرف في البروتوكول واللجنة الفرعية لمناهضة التعذيب (SPT) وهي جهة دولية تابعة للأمم المتحدة، وكذلك الآلية الوقائية الوطنية (NPM) التي يفترض أن تشكل ويقع العبء الأكبر عليها في تنفيذ مواد البروتوكول.

وبالرغم من حقيقة أن الإنضمام الى الاتفاقية الدولية لمناهضة التعذيب أمرٌ مطلوب ومفيد، إلا أنه لم يكن كافياً لمحاصرة التعذيب من الناحية العملية، كونه يؤكد على النواحي غير التطبيقية التي تحتاجها عمليّة المنع. لذا جاء البروتوكول ليضع النقاط على الحروف، وليتابع بشكل مباشر الخطوات العملية لتحقيق تلك الغاية على أرض الواقع.

الزيارات المنتظمة غير المحددة بوقت لأماكن الإحتجاز، تحقق قدراً ملموساً من الردع عن ممارسة التعذيب. كما ان البروتوكول يساهم في توجيه واصلاح نظام العدالة الجنائية والعملية الإنتقالية الرامية الى تعزيز سيادة القانون.


لماذا البحرين بحاجة الى الإنضمام لهذا البروتوكول الإختياري؟


البحرين تواجه مزاعم متزايدة بشأن ارتكاب انتهاكات بحق المعتقلين، وقد اعترفت الحكومة بعدد من الحالات التي أدّت الى وفاة عدد من المواطنين في أماكن الإحتجاز. والحكومة هنا تقول بأن التعذيب جريمة يعاقب عليها القانون، وأن ما يحدث تجاوزات فردية. السؤال: كيف يمكن الوقاية من هكذا ممارسات غير انسانية؟ وكيف يمكن إقناع المجتمع الدولي ـ الحقوقي منه خاصة ـ بأن تلك الإنتهاكات لن تتكرر، وأن هناك إرادة سياسية لمواجهتها؟ لا توجد ـ حتى الآن ـ آليات لمواجهة هكذا ممارسات قبل وقوعها، حتى مع وجود القانون المجرم لها. وبالتالي لا بدّ من إيجاد تلك الآلية عبر لجنة وطنية تتمتع بالإستقلال والصلاحيات الكافية كي تقوم بزيارات وقائية منتظمة لأماكن الإحتجاز، وتتواصل مع السلطات المختصة وبشكل دائم لوضع إجراءات فعلية تحرص على أن لا يقع التعذيب ابتداءً. فمن خلال الزيارات يمكن للجنة تحديد عوامل وأسباب وقوع التعذيب، وتحليل الأخطاء المنهجية، وأسباب الفشل، ومن ثم تطرح توصيات لتعالج الأسباب الجذرية للتعذيب، بهدف التقليل من احتمالات وقوع التعذيب.


لكن مالحاجة الى توقيع البروتوكول الإختياري، إذ بإمكان أية دولة ان تشكل لجنة وطنية تقوم بتلك المهام المذكورة أعلاه؟


معظم الدول لا تشكّل لجان تحقيق ومراقبة محليّة، وفي بعض الأحيان يكون تشكيلها اعتباطياً وخلاف المعايير الدولية، بحيث تكون قليلة الفائدة. غرض البروتوكول ليس فقط تشكيل لجنة تحقيق ورقابة وطنية تكافح التعذيب، وإنما المساعدة التكميلية لها عبر اللجنة الفرعية لمناهضة التعذيب، بما تمتلكه من خبرات وقدرات وتجارب ترى معظم دول العالم أنها بحاجة اليها، بما فيها الدول الغربية نفسها. البروتوكول الإختياري يحرص من خلال اللجنة التابعة له (SPT) على أن يكون تشكيل اللجنة الوطنية وفق المعايير الدولية، وهو يسعى الى تنمية قدرات اعضائها وأدائهم لضمان تحقيق الغرض من إنشائها.

والأهم في البروتوكول الإختياري أنه يساعد السلطات على استعادة ثقة الجمهور بعد الأزمات المتصلة بانتهاكات الحقوق الإنسانية للمحتجزين، وهو يتيح للحكومات إثبات التزامها بحماية جميع أفراد المجتمع بمن فيهم المحتجزين.


وهل تقتصر مهام هذه اللجنة الدولية (SPT) على التعاون مع اللجنة الوطنية أو الآليات الوطنية ومساعدتها؟


تقوم اللجنة الفرعية الدولية لمناهضة التعذيب (SPT) والآليات الوقائية الوطنية (NPM) بذات المهام، وتتمثل في: 1) القيام بزيارات منتظمة لأماكن الإحتجاز للإطلاع على الأوضاع وتحسينها بغرض منع التعذيب؛ وإن كانت اللجنة الوطنية تتحمّل العبء الأكبر هنا، كونها متواجدة على الأرض، والأقدر على التفاهم مع السلطات المحلية. 2) طرح توصيات على الجهات المسؤولة لاتخاذ تدابير وقائية. 3) مساعدة الدولة المعنية بتنفيذ تلك التوصيات.


إذن.. لماذا تتردد بعض الدول في الإنضمام الى البروتوكول الإختياري؟


هناك ثلاث قضايا تشكل خلفية لهذا التردد:

أولها: أن بعض الدول غير مخلصة في منع استخدام التعذيب، خاصة لسجناء الرأي، أي انها تعتقد أن التعذيب يمثل آلية جيدة للحصول على المعلومات ولردع المعارضين.

ثانيها: أن بعض الدول شديدة الحساسية، وترى أن الرقابة الدولية تمثل نوعاً آخر من الوصاية عليها، والتدخل في شؤونها الداخلية، واختراق سيادتها الوطنية.

ثالثها: أن بعض الدول ـ بل أكثرها ـ يخشى التنديد والتشهير في حال تمّ الكشف عن حالات التعذيب من جهات دولية بالذات، كما تخشى الدول استثمار ذلك سياسياً للضغط عليها، حتى ولو كانت هي صادقة في (منع التعذيب) وتجرم وتعاقب من يمارسه.

الأمم المتحدة التي وضعت هذا البروتوكول تدرك هذه القضايا، ولذا فهي تعلم مسبقاً بأن من سينضم اليه تتوفر لديه (النيّة الحسنة) و قدراً معقولاً من (الإرادة السياسية الصادقة) في منع التعذيب.

ومن جهة أخرى، فإن الآليات الدولية هذه ليس من اختصاصها، ولا من رغبتها، ولا في قدرتها حتى، فرض وصايتها على الدول المستقلة ذات السيادة. ولذا أوضح البروتوكول بأن الغرض ليس (الإدانة والتشهير) وإنما (التعاون والحوار البناء) بغرض مساعدة الدول المنضمة للبروتوكول بهدف تحقيق التغييرات الجذرية اللازمة لمنع وقوع التعذيب. وقد حرص البروتوكول على التأكيد بأن ما تعدّه الآليات الرقابية الوطنية (الهيئات الوطنية) من تقارير يكون علنياً، في حين أن تقارير اللجنة الفرعية لمناهضة التعذيب تبقى سريّةً ولا يطلع عليها سوى الدولة المعنية، اللهم إلا إذا رغبت تلك الدولة في نشرها للعلن.

ومن جهة ثالثة، فإن عمل اللجنة الفرعية لمناهضة التعذيب والتي تكمل نشاط الآليات الوطنية، يشابه الى حدّ كبير ما تقوم به منظمات دولية أخرى، سمحت لها الدول (كالبحرين) بالعمل في داخل أراضيها وزيارة أماكن الإحتجاز، مثل: الصليب الأحمر الدولي، الذي لا يصدر تقارير علنية. وكانت البحرين قد وقعت في ديسمبر 2011 مذكرة تفاهم مع الصليب الأحمر الدولي الذي قام ويقوم بزيارات منتظمة لأماكن الإحتجاز.


كيف يمكن ضمان تشكيل آليات وقائية وطنية وفق المعايير الدولية؟


هناك شروط أساسية يفترض ان تستوفى في الآليات الوطنية، ومن أهمها:

  • ضمان استقلالها المالي والوظيفي دونما تدخل من السلطات، وكذلك استقلال الأعضاء العاملين فيها عن سلطات الدولة.
  • أن تتشكل تلك الآليات من أعضاء تتوافر فيهم القدرات والمهنية؛ وأن تحوي عدداً من ذوي التخصصات الذين يتطلبهم طبيعة العمل؛ وأن يكون لها الحق في الإستفادة من الخبرات الأجنبية. ويضاف الى هذا أن تكون شرائح المجتمع كافة ممثلة فيها.
  • أن يكون للآليات الوطنية الحق في الوصول الى كافة أماكن الإحتجاز في زيارات مفاجئة ومنتظمة ومتكررة وأن يلتقي موظفوها بمن يريدون من المحتجزين من دون قيود أو رقابة.
  • أن تتاح للآليات الوطنية الوصول الى جميع المعلومات المتعلقة بأماكن الإحتجاز والمحتجزين بما في ذلك سجلاتهم الطبية والغذائية وغيرها.
  • يجب ان تتوفر لموظفي الآليات الوطنية الحصانة من الإعتقال والتحقيق وغيرها كيما يؤدوا أنشطتهم بحرية وفاعلية؛ كما ان لهم الحق في حماية المعلومات التي يتلقونها وعدم كشفها. وكذلك يجب توفير الحصانة لكل الأفراد والجهات التي تتصل بموظفي تلك الآليات.
  • ينبغي للآليات الوطنية أن تضع التقارير والتوصيات التي تقترحها لتحسين اوضاع السجون والمحتجزين، بناء على الزيارات التي تقوم بها. ومن جانبها فإن على السلطات ان تدرس التوصيات، وتجتمع بمسؤولي الآليات الوطنية في حوار بناء لمناقشة تنفيذها. ويشدد البروتوكول على أن تصدر الآليات الوطنية تقريراً سنوياً عن أنشطتها وعن حالة منع التعذيب وأن يتم توزيعه ونشره. يضاف الى هذا، فإن للآليات الوقائية الوطنية صلاحية تقديم مقترحات وملاحظات حول التشريعات ومشاريع القوانين ذات الصلة بمنع التعذيب.

وأخيراً، يجب ان توفر كل التسهيلات للآليات الوطنية لإجراء تواصل مباشر بين اللجنة الفرعية لمناهضة التعذيب (STP) والآليات الوقائية الوطنية، سواء كان ذلك على شكل دورات تدريب، او اجتماعات، أو تبادل للمعلومات.