المرصد البحريني - موقع يعنى بحقوق الإنسان في البحرين
 

إحترام حرية التعبير والتصدي لخطاب الكراهية

الإعلام سلاح ذو حدين، ويعد من اكثر الأسلحة خطورة في مجال الحشد والتعبئة وتشكيل توجهات الرأي العام. وبنفس القدر الذي يمكن فيه للإعلام أن يلعب دورا إيجابيا هاما في نشر ثقافة السلام وتعزيز التفاهم داخل المجتمعات أو بين الشعوب، فإنه ـ اذا ما أُسيء استخدامه ـ يصبح سلاحاً فتاكاً ذا أثر بعيد في إثارة الفتن والشحناء والبغضاء داخل المجتمع الواحد، أو حشد فئة ضد الأخرى. ولعل أصدق مثال على ما يملكه الإعلام من قوة وتأثير يتمثل في أنه كان أحد أمضى الأسلحة التي إستخدمها النظام النازي لتجييش ألمانيا، وترسيخ أجندة النازية في وجدان شعبها، بكل ما أدى إليه ذلك من نتائج كارثية على ألمانيا والعالم من حولها.

ومن وحي التجارب المريرة، إستيقظ الضمير العالمي على ضرورة وضع التدابير اللازمة لحماية حقوق الإنسان والإرتقاء بها، فكان أن صدر الإعلان العالمي لحقوق الإنسان متضمنا هذه الحقوق، ومؤكدا عل ضرورة إحترامها وحمايتها. وإيمانا بأهمية أن يمتلك الإنسان الحرية في التعبير عن نفسه وآرائه، تضمن ذلك الإعلان في المادة التاسعة عشر منه نصاً يشدد على الحق في حرية الرأي والتعبير، وفي المادة العشرين على الحق في التجمع السلمي وتكوين التنظيمات والتجمعات. وتوالى إقرار المجتمع الدولي بتلك الحقوق عبر تضمينها في المواثيق والمعاهدات الدولية اللاحقة ذات الصلة كالعهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية.

تحرص الدول المتقدمة وتلك المتطلعة للتطور الديمقراطي على تضمين دساتيرها كل ما يتصل بتعزيز حقوق الإنسان وفق المعايير الدولية، ومن بينها حرية الرأي والتعبير. وأصبح مدى الإلتزام بهذه المعايير هو الذي يحدد مكانة الدول داخل منظومة المجتمع الدولي. وبنفس القدر أصبح إنتهاك هذه الحقوق عرضة ـ لا للإدانة وتسليط الأضواء على مصدر الإنتهاك فحسب ـ بل فتح أيضاً إمكانية إتخاذ إجراءات فعلية ضد الدول التي تنتهك تلك الحقوق، والتصدّي لها على المستوى الدولي، خاصة بعد أن شهدت ثقافة وآليات حقوق الإنسان خلال العقدين الماضيين قفزات مضطردة جعلت من أمر التدخل المباشر، خياراً وارداً في إطار تغليب مفهوم الأمن الإنساني على المفهوم التقليدي لأمن الدولة وسيادتها.

في النظام الإعلامي القديم، كانت السيطرة على وسائط الإعلام في يد الدولة، فكانت تمنح أو تمنع إن شاءت حرية التعبير، وتتيح أو لا تتيح المجال للرأي الآخر أو المعارض أن يكون له صوت. أما في الوقت الحالي، فصار من المستحيل السيطرة على الفضاء الإعلامي من قبل أية دولة، خاصة مع ظهور واقع التواصل الاجتماعي. بل ان فكرة الحجب والسيطرة صارت ممجوجة عالمياً وحتى في الوسط الحقوقي الدولي ينظر اليها على أنه تعدّ من قبل الدولة على فضاء لا يحق لها أن تسيطر عليه.

بصورة عامة، فإن الدول الديمقراطية تترجم منطوق دساتيرها فيما يتصل بحرية الرأي والتعبير إلى واقع معاش، سواء من خلال الحرص على إضفاء صفة الإستقلالية على الوسائط الإعلامية المملوكة للدولة، كنموذج هيئة الإذاعة البريطانية على سبيل المثال، أو عبر فتح المجال واسعا أمام الكيانات والتيارات السياسية المعارضة ليس فقط في الإستفادة من منابر الدولة، بل وإنشاء منابرها الإعلامية الخاصة بها، مقروءة كانت أو مسموعة أم مرئية.

وبسبب ترسخ مفاهيم الديمقراطية وتجذرها في هذه المجتمعات المتقدمة، فإن حرية التعبير فيها تقترن تلقائيا بمسئولية الممارسة التي تجعل من حرية التعبير أداة للبناء والنقد الهادف، والإقتصار من الأمور على ما يتصل بالشأن العام، بعيدا عن المهاترة وعن كل ما من شأنه أن يثير الفتنة، أو أن يؤدي إلى زعزعة سلامة وأمن المجتمع.

الاعلان العالمي لحقوق الإنسان

المادة 19: لكل شخص الحق في حرية الرأي والتعبير. ويشمل هذا الحق حرية اعتناق الآراء دون أي تدخل، واستقاء الأنباء والأفكار وتلقيها وإذاعتها بأية وسيلة كانت دون تقيد بالحدود الجغرافية.

المادة 20: (1) لكل شخص الحق في حرية الاشتراك في الجمعيات والجماعات السلمية. (2) لا يجوز إرغام أحد على الانضمام إلى جمعية ما.

وإمعانا في الحرص على أن تخدم وسائل الإعلام الأهداف السامية المرتجاة منها، فإن القائمين عليها والممارسين لها يتفقون على أمر إحاطتها بالتدابير الإحترازية، وبالسياج الواقي، بحيث يضمن عدم تجاوزها للخطوط الحمراء، أو تحولها إلى صانعة للفوضى او الشقاق الإجتماعي والإضطراب الأمني، أو الإضرار بمصالح الدولة عامة، وليس مصالح فئة او حزب حاكم. وتتمثل تلك التدابير عادة في معايير مهنية محددة، ومواثيق شرف يلتزم بها الجميع، ويخضع الخارج عليها للمساءلة والمحاسبة القانونية.

ومع ما استحدثته ثورة الإتصالات خلال العقد الماضي من طفرات مذهلة في المجال الإعلامي أدت إلى كسر إحتكار المؤسسات الإعلامية التقليدية لمنابر الرأي والفكر، ولإمكانيات الإنفراد بتشكيل توجهات الرأي العام وفق أجندتها وأهوائها.. فإن ذلك لم يشكّل صعوبة أمام المجتمعات المتقدمة من تطوير تدابيرها لإحتواء أية آثار سلبية للمنابر الجديدة، دون المساس بالمبادئ الأساسية التي تكفل ضمان الحق الإنساني في حرية التعبير.

و لئن كانت الخبرة والتجربة الطويلة في مضمار الممارسة الديمقراطية قد أتاحت للمجتمعات المتقدمة فرصا أفضل فيما يتصل بالإلتزام الكامل بمبادئ حقوق الإنسان، الأساسية منها والفرعية، بما في ذلك إحترام وتأمين حريات الرأي والتعبير والتجمع والتنظيم، إلا أن الأمر يختلف بالنسبة لنا في مجتمعاتنا، التي تواجه معوقات كثيرة في مسار البناء الديمقراطي؛ ولذا فمن الظلم أن نحكم على أدائها في مضمار المساحة المتاحة لحرية الرأي بذات المعايير المطبقة في المجتمعات المتقدمة.

في الوقت الذي تحتاج فيه مجتمعاتنا الى حرية التعبير والتجمع وكافة الحريات المدنية والسياسية، فإن الإعلام يجب أن يضبط حتى لا يتحول الى عنصر تشرذم داخلي؛ وبدل أن تحقق حرية التعبير مثلاً، قاعدة انطلاق لتوسيع أفق المجتمع بمكوناته ومشاربه المختلفة، قد يجرفها سوء الإستخدام الى تعويق حتى التواصل بين تلك المكونات سواء كانت عرقية، دينية، طائفية أو ثقاقية وسياسية. يفترض في الإعلام أن يقوي الإحساس الجمعي بوحدة المصير والهدف بما يقيها شرور التشرذم والفتن، ولكنه إن فشل في تحقيق ذلك، فإن السبب ليس الحرية ذاتها، بل في عدم وضع الضوابط في الإستخدام وغياب او ضعف التشريعات القانونية التي تحمي حرية التعبير من جهة وتعاقب من يستخدمها في غير الصالح العام.

إن شعوبنا بحاجة الى فترة زمنية كيما تتشرّب بقيم الديمقراطية وثقافتها، من الإعتراف بالآخر وإحترام مبدأ تقبل الخلاف في الرأي، وحق الجميع في المشاركة في الحياة العامة؛ ويفترض بحرية التعبير ان تساهم في تعويد المواطنين على الممارسة الصحيحة سياسياً وثقافياً وتشجعه على ممارسة حقوقه كاملة، مع وضع الضوابط التي تساعد بذرة الحرية والديمقراطية على النمو والتطور.

إن حرية التعبير، كما الحريات المدنية والسياسية الأخرى، ينبغي أن تترافق والممارسة المسئولة بحيث لا تتعدى على مساحة الآخرين، أو تكدر صفو السلام وأمن المجتمع؛ وذلك من خلال تحقيق التوازن المطلوب من الرقابة الذاتية والإحساس بالمسؤولية المجتمعية، والإلتزام بالقواعد المهنية والأعراف الصحافية من جهة، وسن التشريعات المناسبة التي تسدّ الثغرات للحيلولة دون إنحراف الممارسة وإنزلاقها إلى ما يمكن أن يهدد أمن المجتمع، من جهة أخرى.

الآن، وحيث تطغى دعوات الترويج للإرهاب، والحضّ على الكراهية عنصرياً أو دينياً أو طائفياً، تصبح الحاجة ملحّة لوضع القوانين والتدابير الرادعة، خاصة في المجتمعات المنقسمة على نفسها سياسياً او ثقافياً. ففي ظروف الفتنة، لا يجب قمع حرية التعبير بأيّ شكل من الأشكال، بل ان ما يجب فعله هو عدم التسامح مع أي تحريض على الكراهية، ومن أية وسيلة تعبير ومن قبل أي شخص يقوم بذلك. ويفترض أن يحال من يتعدّى على حريات الآخرين أو يساهم في شرذمة المجتمع الى القضاء وفق قانون واضح يجرّم الحضّ على الكراهية أو الترويج للعنف الداخلي أو الخارجي.

هنالك خيط رفيع يفصل بين ما يقع تحت تعريف الحق في حرية التعبير من جهة، وما هو محسوب على خطاب التحريض والحض على الكراهية من جهة أخرى. وفي مجتمع الأزمات يصبح هذا الخيط أكثر رهافة بحيث تكاد تنمحي معالمه. وهنا فالمطلوب هو ليس حماية أفكار أو معتقدات بعينها من النقد ـ الذي يختلف عن التحريض؛ وإنما حماية معتنقي تلك الأفكار والمعتقدات من العنف والإضطهاد، وكذلك حماية حقوقهم في التعبير عنها او ممارستها.