المرصد البحريني - موقع يعنى بحقوق الإنسان في البحرين
 

(الفتنة) والمحاسبة القانونية

ما جرى في البحرين من أحداث أشبه ما يكون بفتنة. والمقصود بالفتنة هنا هو انخراط جمهور كبير في خلاف أو صراع ما، بحيث لا تنحصر المسؤولية المعنوية والدينية والسياسية بجهة واحدة، أو أفراد محددين أو فئة محددة؛ ويصبح معها تطبيق الشرع أو القانون بحذافيره (بعد وقوع الفتنة) أمراً صعباً ـ كما تدل على ذلك التجارب التاريخية والحديثة ـ نظراً لتوزّع المسؤولية بين المنخرطين والمساهمين فيها بكلمة أو خطاب أو كتابة أو فعل أو بالفتيا وحتى بالصمت. وإزاء هذا، فإن أمام صانع القرار في سبيل معالجة تداعيات الفتنة أمران: إما العفو عن الجميع؛ أو تضييق دائرة العقاب لتشمل العدد الأقل من المسؤولين المنخرطين فيها.

ومع أن العديد من المطالب التي رفعها المتظاهرون في البحرين بداية الأحداث مشروعة، وهو ما أكده كبار المسؤولين.. إلا أننا ندرك اليوم بأن سقف بعضها ذهب بعيداً وخلافاً للواقع وللإجماع الوطني؛ وتظافر مع ذلك خطاب سياسي متشدد غير رشيد، اتسم بالتسقيطية والإهانة لرموز الدولة ومؤسساتها.

هذا الخطاب، وفي ظرف الفتنة، ظهر من يؤيده، خاصة بعد تواتر المعلومات ـ التي اتسم بعضها بالمبالغة والتلفيق ـ وصور الضحايا، ما شكّل مناخاً جذب اليه العديد من الناس الذين لم يكونوا يوماً ما يعتقدون بمثل هذه الأمور. إن العديد من الذين انساقوا مع أجواء التوتر وأجواء الفتنة، لم يميّزوا بين الخطاب السياسي الرشيد والمطالب المعقولة، وبين خطاب التشدّد والتسقيط. والمدهش أن بين هؤلاء أنفسهم من رفع سيارة جلالة الملك احتفاءً به بداية الإصلاحات.

ما نود توضيحه هنا، هو أنه في ظروف الفتنة وشياع مناخ التوتر، تحدث أمور غير قابلة للتصديق أحياناً. ومن يقرأ في سيكولوجية الجمهور يدرك مثل هذه الحقائق. ولهذا، فإن مبدأ تطبيق القانون أمرٌ مهم في كلياته لإعادة الأمن والإستقرار؛ أما المحاسبة الدقيقة وبأثر رجعي، فإنها تشمل عشرات الآلاف من البشر، وهذا أمرٌ صعب وقد لا يؤدّي أو يساهم في العودة الى الحياة الطبيعية. لقد وقعت الأخطاء من مختلف الأطراف السياسية، ولذا يجب التغاضي عن المخالفات العامّة والصغيرة، والتركيز على تأكيد الإستقرار والأمن.

ليس كل المواطنين الشيعة طالبوا بإسقاط النظام، كما هو معلوم؛ وليس كل من أيّد ذلك من الجمهور أدرك حقيقة الأمر بالأمس، أو هو مصرّ عليه اليوم. كثيرون أدركوا الآن بأن رفع ذلك الشعار التسقيطي كان خطأ فادحاً، ليس بالنسبة لهم فحسب وإنما للمسار السياسي برمته. ولا يظهر أن معاقبة كل هؤلاء أمرٌ ممكن، وحتى لو كان ممكناً فإن تطبيقه يعقّد الأوضاع الداخلية، ويذكي الفتنة الطائفية والسياسية التي يريد الجميع إطفاؤها.

المواطنون الشيعة مكوّن أساس من النسيج الإجتماعي، وحالهم كغيرهم في حرصهم على الإنتماء الوطني والوحدة الوطنية. ولا يجوز النظر اليهم وكأنهم لون واحد، لا يتضمن ألواناً متعددة في داخلهم من حيث تبنّي المواقف السياسية والأفكار والمعتقدات وغير ذلك. الإختلاف والتنوع الثقافي والسياسي والمرجعي موجود لدى الشيعة كما لدى غيرهم. وإن من الإجحاف معاملتهم كلون واحد، لأن هذا يعني في لغة السياسة: (النمطية) وهي نظرة أحادية تخالف العدالة وحقوق الإنسان.

لم تكن المطالبة بالمزيد من الإصلاحات خطأ؛ فالمشروع الإصلاحي كان ولا بدّ أن يفرز مطالب متجددة ورغبات أكبر من جرعات الحرية. السؤال هو: كيف يتحقق ذلك، وعبر أية وسائل، وضمن أية حدود؟. لم يكن رفع شعارات وطنية عامة تعبيراً عن الحاجة الى المزيد من الإصلاحات والدعوة اليها خطأ. ولم تكن الغاية أن تكون هناك مطالب شيعية، وإنما مطالب فئات سياسية، وكل فئة تتحمّل مسؤولية ما طالبت به، وما فعلته، بصفتها السياسية لا المذهبية. أما الجمهور فلا يتحمل المسؤولية، اللهم الا الأفراد الذين مارسوا أعمالاً عنفية وتخريبية.

من هنا، أكّدت الشرائع السماوية على أن (لا تزر وازرة وزر أخرى)، وأن العقوبات يجب أن تكون فردية، وكذلك فإن القانون وشرعة حقوق الإنسان تؤكد على أن كل مواطن مسؤول عن فعله، وبالتالي فإن من الخطأ أن تذهب الأمور الى التعميم والعقاب الجماعي، عبر هدر الكرامة والإذلال، ومحاسبة المواطن على انتمائه بحيث يتسامح مع إهانته أو تقريعه أو الحط من شأنه أو جرح كرامته.

لقد انزلق الكثيرون ـ بمن فيهم النخب السياسية والإعلامية ـ في حقل ألغام الطائفية وفرز المجتمع طائفياً. لا تستطيع البحرين أن تتحمل هذا الأمر، وهذا ما حذّر منه الملك في مقالته في الواشنطن تايمز، وهو ما أكد عليه ولي العهد في خطابه الأخير. من يعتقد ان رفع الخطاب الطائفي سيكون في صالحه مخطيء. قد يخدمه لبرهة وفي المدى القصير، ولكن الطائفية سيف ذو حدّين، فهي تكتّل الأطراف، وتمنع الإجتماع، وتمزّق مؤسسات الدولة، وتضعف الولاء والإنتماء الوطني كما الهوية الوطنية، وتهدد سلامة البلد، وتفتح الطريق للتدخلات الأجنبية، وتمنح الشخصيات الدينية المحلية والخارجية السلطة الأعلى فوق سلطة الدولة وسيادتها على أرضها وشعبها.