المرصد البحريني - موقع يعنى بحقوق الإنسان في البحرين
 

أوجه التشابه والإختلاف بين..

(المؤسسات الوطنية) و(المنظمات غير الحكومية)

جاء قرار تأسيس المؤسسة الوطنية لحقوق الإنسان في البحرين في نوفمبر 2009 بمثابة إضافة في مسيرة حقوق الإنسان. وبالنسبة للإنسان العادي، غير المشتغل بالشأن الحقوقي في البحرين، أثار تأسيس المؤسسة الوطنية عدداً من الأسئلة خاصة ما يتعلق منها بأوجه الاختلاف والتشابه بين المنظمات المحلية المتواجدة أصلاً في الساحة البحرينية منذ عدة سنوات، وبين المؤسسة الوطنية الوليدة، ما أوقع الكثيرين في اتخاذ مواقف خاطئة من جهة، أو ساقهم الى توقّع نتائج غير محتملة من جهة ثانية. ورأينا في المرصد أنْ نساهم بمقالة تساعد على التمييز بين المنظمات الحكومية وغير الحكومية، وتبيان الفرق بين المؤسسة الوطنية لحقوق الإنسان وبقية المنظمات (الجمعيات) المحلية العاملة في ذات المجال الحقوقي.

يُـطلق على «المنظمات» الحقوقية في كثير من البلدان إسم «مؤسسات» أو «هيئات» أو «جمعيات».. ولكن اختلاف المسميات لا يعني شيئاً كثيراً، حيث يتم تداول تلك المسميات بصورة تبادلية، ويكون المقياس دائماً هو كيفية تأسيس ذلك الجسم الحقوقي، رسالته، أهدافه، مدى استقلاله مالياً وإدارياً، ومدى تأثيره الفعلي في تعزيز وحماية حقوق الإنسان في البلد المعني.

وفي الجملة، تنقسم منظمات حقوق الإنسان بصورة عامة إلى قسمين: منظمات حكومية، ومنظمات غير حكومية.

المنظمات غير الحكومية NGOs

نبدأ بالمنظمات غير الحكومية لأنها الصورة الأكثر وضوحـاً وبروزاً في الساحة الحقوقية والساحة العامة أيضاً. كما أنَّ المنظمات غير الحكومية تتوفر في كثيرٍ من بلدان العالم. المنظمات غير الحكومية عبارة عن مجموعات تطوعية لا تهدف لتحقيق ربح مادي، يؤسسها ويديرها أشخاص لهم اهتمامات وأهداف مشتركة، سواء على المستوى المحلي (أي داخل حدود الدولة الواحدة) أو على المستوى الدولي (أي بين عدة دول أو أشخاص من دول مختلفة). فالمنظمات غير الحكومية بشقيها العالمي والمحلي هي عبارة عن جمعيات ومؤسسات خاصة تعمل على تعزيز وتطبيق وحماية مبادئ حقوق الإنسان والقيم الانسانية المتعارف عليها عالمياً. ويتمحور عمل المنظمات غير الحكومية حول رسالة وأهداف ومهام لها علاقة بالدفاع عن حقوق الإنسان، حيث يؤدي القائمون عليها واجباتهم التطوعية بأعمال متنوعة.

من خلال هذا الوصف، يتضح أنَّ المنظمات غير الحكومية تنقسم إلى قسمين: منظمات غير حكومية محلية (مثل الجمعية البحرينية لحقوق الإنسان، مرصد البحرين لحقوق الإنسان) ومنظمات غير حكومية دولية (مثل منظمة العفو الدولية، هيومان رايتس ووتش، الشفافية العالمية، إلخ). ويحكم المنظمات غير الحكومية بشقيها العالمي والمحلي قانون أساسي عبارة عن دستور يحدد رسالتها، رؤيتها، أهدافها، نطاق صلاحياتها، كيفية إدارتها، وتمويلها.

وبهذا المعنى لا ترتبط تلك المنظمات بأي حكومةٍ، أو بأي جهاز أو مؤسسة حكومية، لا من حيث تحديد قوانينها ولوائحها، ولا من حيث تمويلها أو التحكم في أنشطتها. فهي مستقلة تمام الاستقلال عن أي نفوذ حكومي مهما كان حجمه. وبذلك تتميز المنظمات غير الحكومية بـأنها قائمة على المجهودات الشخصية لأفراد يؤمنون ويعملون من أجل تعزيز وحماية حقوق الإنسان دون انتظار تحقيق مكاسب مادية. كما أنها تعتمد بشكل أساسي على تمويل ذاتي من أعضائها بالإضافة إلى التبرعات والهبات من أشخاص مناصرين بعيدين عن أي نفوذ حكومي. ولا تقبل تلك المنظمات بتبرعات الأجهزة الحكومية (إلا في حالات محدودة جداً ووفق شروط قاسية) حفاظاً على حيادها. ولكن ذلك لا يمنع وجود تعاون وتنسيق بين المنظمات غير الحكومية العاملة في مجال حقوق الإنسان، وبين بعض الوزارات والهيئات والمؤسسات الحكومية ذات الاهتمام المشترك بقضايا حقوق الإنسان.

المنظمات غير الحكومية المحلية

تعمل المنظمات غير الحكومية المحلية في داخل حدود الدولة، وتضطلع بمهام تعزيز وحماية حقوق الإنسان في مختلف المجالات: السياسية منها والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والتنموية، وكذلك فيما يتعلق بتعزيز وحماية حقوق المرأة والطفل. ويتم تأسيس تلك المنظمات وفـقـاً للقوانين السائدة في الدولة، والتي تنظّم كيفية تكوين وتسجيل وعمل المنظمات غير الحكومية. ولتقريب الصورة، حول عمل الجمعيات الحقوقية المحلية، سنأخذ الجمعية البحرينية لحقوق الإنسان. فقد تأسست الجمعية في عام 2001، ولها علاقات تعاون مع المنظمات الإقليمية والعالمية العاملة في مجال حقوق الإنسان، فـهي عضو في المنظمة العربية لحقوق الإنسان، والفيدرالية الدولية لحقوق الإنسان، والتحالف الدولي من أجل المحكمة الجنائية الدولية، كما تتعاون الجمعية البحرينية وبشكل وثيق مع المفوضية السامية لحقوق الإنسان.

المنظمات غير الحكومية الدولية

المنظمات الدولية غير الحكومية هي تنظيمات أو جمعيات أو مؤسسات عابرة للحدود، ويتعدى نشاطها نطاق الدولة الواحدة. فهي عبارة عن هيئات عالمية تضطلع بمهمة تعزيز واحترام وحماية حقوق الإنسان في كل أنحاء العالم. وبعضها قائم على نظام العضوية مثل منظمة العفو الدولية التي تتمتع بأكثر من مليوني عضو في كل العالم، ولها مجموعات عاملة في البحرين. ولهذه المنظمات غير الحكومية الدولية تأثيرها في مجال الحياة الدولية لما تمتع به من سمعة طيبة ونزاهة وحيادية. وتشكل تقارير هذه المنظمات قوة لا يمكن للدول تجاهلها.

آليات عمل المنظمات غير الحكومية

تتفاوت آليات عمل المنظمات غير الحكومية، المحلية والدولية، وتتمايز حسب الوضع ومنها:

إصدار التقارير والدراسات والبيانات لكشف الإنتهاكات التي يتعرض لها المواطنون.

تلقي الشكاوي من المواطنين والمتعلقة بإنتهاكات حقوق الإنسان.

تنظيم دورات تدريبية وإصدار النشرات والمطويات من أجل زيادة الوعي بحقوق الإنسان.

تقديم المساعدة القانونية في القضايا ذات الصلة بحقوق الإنسان.

إقامة علاقات وطيدة مع المؤسسات المحلية والإقليمية والدولية المهتمة بالعمل في مجال حقوق الإنسان.

تنظيم حملات حول انتهاكات محددة من أجل لفت انتباه الرأي العام المحلي والمجتمع الدولي اليها، والمطالبة بالتحرك الفاعل لدى الحكومة المعنية لتصحيح الأوضاع.

ممارسة ضغوط ـ محلية ودبلوماسية ـ على الحكومة من خلال الاجتماع بها أو التدخل لديها بشان انتهاكات محددة.

نشر ثقافة حقوق الإنسان عبر برامج التربية على حقوق الإنسان وتعليمها.

العلاقة بين الحكومة والمنظمات غير الحكومية

دائماً ما تكون العلاقة متوترة بين الحكومات وبين المنظمات غير الحكومية فيما يتعلق بحقوق الانسان، لأنَّ المنظمات غير الحكومية العاملة في مجال حقوق الإنسان تراقب وترصد تصرفات الحكومة وموظفيها وتكشف انتهاكات حقوق الإنسان بغرض إثارة الرأي العام المحلي والإقليمي والدولي لتصحيح الأوضاع، ومساءلة المنتهكين، وتعويض الضحايا. وكلما اتسعت دائرة الانتهاكات في دولة ما، كلما تعاظم وكـَـبُـرَ دور المنظمات غير الحكومية العاملة في مجال حقوق الإنسان.

وفي كثيرٍ من الدول حول العالم تتعاون المنظمات غير الحكومية العاملة في مجال حقوق الانسان مع الحكومات المختلفة من أجل تعزيز الحماية القانونية لحقوق الانسان، وتطوير الأطر القانونية والآليات العدلية والقضائية. كما تساهم المنظمات غير الحكومية العاملة في مجال حقوق الإنسان في إقامة دورات تدريبية تعليمية لأجهزة إنفاذ القانون مثل الشرطة والسجون والقوات المسلحة، حول تعزيز واحترام حقوق الانسان في مراكز الشرطة والاحتجاز والسجون وفي النزاعات المسلحة.

وتطلب بعض الحكومات الإستشارة من المنظمات غير الحكومية العاملة في مجال حقوق الإنسان فيما يتعلق بوضع استراتيجيات التربية على حقوق الإنسان، وكذلك في بعض المجالات ذات العلاقة، خاصة عند وضع استراتيجية وطنية لعزيز وحماية حقوق الإنسان. إن تشجيع العلاقات الايجابية بين الحكومات والمنظمات غير الحكومية، المحلية منها والدولية، يساعد على تقريب وجهات النظر، وتعزيز وسائل حماية حقوق الإنسان في البلد المعني.

علاقة المنظمات غير الحكومية بالأمم المتحدة

تلعب المنظمات غير الحكومية، المحلية والدولية على حدٍ سواء، دوراً مهما في نظام الأمم المتحدة من خلال تمتعها بالصفة الاستشارية في المجلس الاقتصادي والاجتماعي التابع للأمم المتحدة. ولكن هذه الصفة ليست تلقائية، بل يتم اكتسابها بعد تحقق عدد من الشروط الموضوعية منها: أنْ تكون أهداف هذه المنظمات متفقة مع روح وأهداف ومبادئ ميثاق الأمم المتحدة. بعدها، يكون للمنظمات غير الحكومية الحق في الحضور كمراقب في الجلسات العامة للمجلس، وفي مجلس حقوق الانسان ولجانه الفرعية، ويمكنها تقديم بيانات كتابية يتم تداولها كوثائق رسمية، كما يمكنها الإدلاء ببيانات غير مكتوبة، وكذلك تقديم معلومات حول انتهاكات حقوق الإنسان في بلد محدد.

المنظمات الحكومية

يفرض نظام الأمم المتحدة على الدول تـشكيل مؤسسات وطنية لحقوق الإنسان من أجل ترقية تلك الحقوق وحمايتها. وبهذا الفهم تكون المؤسسة عبارة عن “منظمة حكومية” تعمل في مجال حقوق الإنسان. وينبغي أنْ يكون إنشاء المؤسسات الوطنية لحقوق الإنسان وفقاً لمباديء الأمم المتحدة المتعلقة بالمؤسسات الوطنية والتي يطلق عليها (مبادئ باريس) التي اعتمدتها الجمعية العامة للأمم المتحدة في ديسمبر 1993. وتعتبر (مبادئ باريس) المصدر الرئيس لتأسيس مؤسسات وطنية لحقوق الإنسان، حيث وضعت أطراً تساعد المؤسسات الوطنية (الحكومية) على تحقيق الاستقلال وتمثيل حالة التعددية في المجتمع، وسهولة وصول الأفراد اليها، وتحقيق الاستقلال الوظيفي، وغيرها.

وتمشياً مع قرار الأمم المتحدة القاضي بإنشاء مؤسسات على الصعيد الوطني تساهم في تعزيز وحماية حقوق الإنسان والحريات الأساسية، وفي وزيادة وعي الجمهور بتلك الحقوق والحريات.. امتثلت كثير من دول العالم بذلك القرار وبينها بعض الدول العربية، حيث أنشأت مؤسسات وطنية خاصة بها مثل: المجلس الاستشاري لحقوق الإنسان في المغرب، والمجلس القومي لحقوق الإنسان في مصر، والمركز الوطني لحقوق الإنسان في الأردن وغيرها.

وفي نوفمبر 2009 أصدر عاهل البحرين حمد بن عيسى آل خليفة أمراً ملكياً رقم (46) لسنة 2009 بإنشاء المؤسسة الوطنية لحقوق الانسان، وفقاً لمباديء باريس. كما نص الأمر الملكي على أن تكون المؤسسة الوطنية مستقلة وتمارس عملها بحرية وحيادية. وتضمنت أحكام الأمر الملكي آلية اختيار أعضاء المؤسسة، وأهدافها، والاجراءات التنظيمية الخاصة بعملها، ومواردها المالية.

الاختلافات الرئيسية

المؤسسة الوطنية لحقوق الإنسان في البحرين لا تزال في طور التأسيس والبناء الداخلي، ومن المتوقع ألا تختلف آليات عملها عن الآليات التي تستعملها المنظمات غير الحكومية العاملة في مجال حقوق الإنسان في داخل وخارج البحرين، مع الاستثناءات الطفيفة.

وتكمن الاختلافات الكبيرة بين المنظمات غير الحكومية، المحلية والعالمية من جهة، وبين المؤسسة الوطنية من جهة أخرى، في أن صلاحيات المؤسسة الوطنية لحقوق الإنسان رغم اتساعها في مجالات كثيرة، فإنها تركيزها سيكون محدوداً من ناحية تلقي الشكاوى، وكذلك من ناحية إصدار تقارير تنتقد فيها أي انتهاكات محتملة لحقوق الإنسان في البحرين. كما لن تستطيع المؤسسة الوطنية القيام بحملات مناصرة، ونشر بيانات تنتقد فيها انتهاكات محتملة.

هناك اختلاف آخر يتمثل في حصول المؤسسة الوطنية على الدعم المالي اللازم من الحكومة، على عكس المنظمات غير الحكومية، حيث تعتمد هذه الأخيرة على اشتراكات العضوية والتبرعات والهبات والتمويل غير المشروط من منظمات إقليمية ودولية.

ومن ناحية أخرى، لـن تحصل المؤسسة الوطنية لحقوق الإنسان على صفة الاستشارية في المجلس الاقتصادي والاجتماعي التابع للأمم المتحدة، لأنها مؤسسة حكومية؛ وسوف يكون وفدها ضمن الوفد الحكومي عند عرض ومناقشة أي تقارير تتعلق بأوضاع حقوق الإنسان في البحرين، في أي لجنة من لجان مجلس حقوق الإنسان الدولي.