المرصد البحريني - موقع يعنى بحقوق الإنسان في البحرين
 

الإصلاحات السياسية وتطوّر حقوق الإنسان في البحرين

منذ مطلع العام 2000م شهدت البحرين تغييراً كبيراً في بنية النظام السياسي، تبعه تحولات عدّة في جوانب اجتماعية واقتصادية وثقافية وقضائية وحقوقية وغيرها، مثلت بمجملها بداية انطلاقة في (مشروع إصلاحي) تبنّاه ملك البحرين الشيخ حمد بن عيسى آل خليفة. وقد أثارت تلك التحولات الكثير من المواقف الإيجابية، ووسعت مساحة الجدل والنقاش داخل البحرين وخارجها. كما أثار التحول السياسي عدداً من الأسئلة تتعلق بتقييم التجربة السياسية وانعاكاساتها في مجالات مختلفة، ومدى جدّيتها، وإمكانيّة استمرارها وتطورها.

جاء التحوّل السياسي البحريني في سياق تحول عالمي نحو الديمقراطية، وبرغبة وضغط شعبيين، وبإرادة سياسية واعية لطبيعة الوضع المحلي والإقليمي والدولي. وإذا كان من الصحيح أن العالم العربي عامة قد شهد قدراً ضئيلاً من التطوّر في مجال الإنفتاح السياسي، واحترام حقوق الإنسان، والشفافية، فإن من الصحيح القول أيضاً بأن هناك العديد من الدول العربية ـ وبينها البحرين ـ تسعى للعبور باتجاه الضفة الديمقراطية، بالرغم من المثبطات المحلية والإقليمية، وكذلك المعوقات النظرية التي تقول بأن ليس هناك إمكانية كبيرة للتحوّل الديمقراطي في بعض الدول الريعية التي تموضع نفسها في منطقة رمادية بين التسلّطية والديمقراطية.

في سياق الرؤية الواسعة لتجارب عديدة شهدها العالم في العقود الثلاثة الأخيرة، لم تكن عملية الانتقال الى الديمقراطية سهلة ولا محكومة بمدى زمني محدد، فلكل تجربة خصوصياتها، وتحدّياتها، وآليات عملها، ولا يمكن التكهّن بمديات التحوّل، ولا طبيعته، ولا الآفاق المختزنة فيه، كما لا يمكن مقاربة تجربة تحوّل ديمقراطي في بلد ما قياساً الى تجربة أخرى.

ثمة مقدّمات ضرورية ثقافية وتشريعية واجتماعية وسياسية تتطلبها عملية الإنتقال الكامل نحو الديمقراطية، وقد تستغرق زمناً طويلاً للوصول إلى الهدف. ما يمكن الجزم به أن ثمة إصراراً لدى القيادة السياسية على تجاوز (العجز الديمقراطي) وتنشئة ظروف مواتية تساعد على الإنتقال الديمقراطي دون معوّقات من جانب السلطة التنفيذية وأذرعها، وكذلك من القوى السياسية والإجتماعية. ومهما يقال عن مشروع الإصلاحات من سلبيات أو إيجابيات، فإن الحكم عليه يتطلب قراءة دقيقة لمجمل التغييرات التي أحدثها في المشهد البحريني.

تحوّلات المشهد السياسي والحقوقي

قبل إصلاحات عام 2000، كان هناك غياب تام لأي عمليّة سياسية ديمقراطية، منذ إلغاء المجلس الوطني المنتخب في 26/8/ 1975م، وقد تم حينها تجميد مواد دستورية تتعلق بالسلطة التشريعية التي كان يمثلها المجلس، الأمر الذي أفضى الى قيام سلطة تنفيذية مركزية، مارست بصورة عملية دور السلطة التشريعية، وبسطت تأثيرها على صلاحيات السلطة القضائية. وقد أحدث انقطاع العملية الديمقراطية تداعيات دراماتيكية على الحياة السياسية والإجتماعية، يأتي في مقدمتها: ظهور تشريعات تنتهك حقوق الإنسان، ويمكن الإشارة هنا بصورة خاصة الى (قانون أمن الدولة) الذي صدر في عام 1975م. كما سبب الإنقطاع: ظهور توترات أمنيّة شديدة خاصة في عقد التسعينيات الميلادية، وبروز حالات من العنف أفرزها الإنسداد السياسي. كما سبب كل هذا تدهوراً سريعاً في الوضع المعيشي لفئات وشرائح واسعة من المجتمع، وقد زادت التوترات الأمنية في تصاعد المصاعب الإقتصادية، وازدياد حجم البطالة، وضعف الخدمات التي تقدّمها الدولة، وتقلص مشاريع التنمية، وغيرها.

في هذا السياق جاءت الإصلاحات عام 2000 لتعيد بناء الدولة من جديد على أرضية سياسية مختلفة هدفها ترميم الوضع القائم وتطويره، وتنشيط أجهزة الدولة واحترام خيارات المواطنين. رأى الملك أن البحرين جاهزة للتحوّل الديمقراطي، وأنه به وحده يمكن استيعاب متطلبات التقدّم الثقافي والتنمية السياسية والاجتماعية التي لا يمكن تجسيدها إلا بفتح باب المشاركة السياسية، وإرساء نظام مؤسسات تفضي الى تقدم البلد، واستقراره وسلامته على قاعدة التنظيم، والتعاضد، والتماسك الاجتماعي.

وبدأت عملية الإصلاحات بشكل متسارع فاجأ المراقبين والقوى المعارضة نفسها، فأمر الملك بإطلاق سراح المعتقلين السياسيين، والسماح بعودة المنفيين، والغاء قوانين الطوارىء، ومحكمة أمن الدولة. ثم قدّم مشروعه السياسي في إطار ما أسمي بـ (ميثاق العمل الوطني) الذي أرسى دعائم الملكية الدستورية، ببرلمان منتخب، وفصل للسلطات، واستقلال للقضاء، وحقوق تكفل المشاركة السياسية للمرأة، وغيرها. الميثاق كمرجعية سياسية، وكعقد اجتماعي جديد بين النظام السياسي والشعب.. وضع للإستفتاء العام، في فبراير 2001، ونال الموافقة من 98.4% من مجموع المقترعين. وسجّل للميثاق:

■ أنه وضع الأساس للمصالحة الوطنية، وتعميق اللحمة في علاقة الدولة بالمجتمع على أساس القانون واحترام الحقوق الأساسية للمواطنين.

■ وفتح الباب واسعاً لتأسيس منظمات المجتمع المدني، وبينها منظمات حقوق الإنسان، إضافة الى تأسيس الأحزاب السياسية.

■ كما فتح الميثاق باب المشاركة السياسية عبر الإنتخابات النيابية لدورتين حتى الآن (2002، 2006). وأفسح المجال في الإنتخابات البلدية للدماء الجديدة بأن تشارك في إدارة الشؤون المحلية في دورتين أيضاً (2002، 2006).

■ وعزّز الميثاق مكانة المرأة سياسياً واجتماعياً. والمرأة اليوم أكثر نشاطاً واقتحاماً لكافة الميادين السياسية والتعليمية والدبلوماسية وغيرها من أي وقت مضى، رغم ما يعترض ذلك من صعوبات، قد يعود كثير منها لحداثة التجربة أو للأعراف الإجتماعية.

■ الى جانب تحديث بنية الدولة السياسية، أطلق الميثاق بداية صحيحة لقيام دولة القانون، فظهرت الكثير من التشريعات والقوانين التي تتعلق بالإصلاح السياسي والإجتماعي.

■ كما عزّز الميثاق سلطة القضاء واستقلالها.

■ وأطلق شحنة من الوعي السياسي والحقوقي بين الجمهور البحريني، ساهم فيها الإعلام الرسمي والأهلي، وما كان ذلك ليتأتى لولا توسّع هامش حرية التعبير بشكل غير مسبوق في تاريخ الدولة.

ما يهمنا هنا هو التأكيد على حقيقة أن التحوّل السياسي في البحرين هو تحوّل حقيقي وجاد ولا تراجع عنه ـ كما يؤكد الملك ذلك مراراً. كما يهمنا أن نؤكد على حقيقة أن هذا التحول السياسي يمثل حاضنة للتحولات الأخرى، بما فيها التطورات التي حدثت في مجال حقوق الإنسان. وأن هذا التحول محصّن بنحو كبير بإرادة شعبية، وبعملية سياسية فاعلة الى حدّ الصخب، وبحرية تعبير واسعة، وبتجمهرات ومظاهرات ومسيرات واعتصامات واحتفالات تكاد تكون بشكل يومي، اضافة الى نشاط تعبوي وثقافي وتدريب تقوم عليه مؤسسات المجتمع المدني بكافة أنواعها، ما يكشف عن حيوية المجتمع البحريني ومؤسساته الأهلية.

الإستفادة من التجربة

الإصلاحات السياسية التي حضنت التطورات الحقوقية، مضى عليها نحو عقد من الزمن، كان يفترض فيها أن تنضج المجتمع ومؤسساته، وترفده بخبرة وتجربة كافية للإنطلاق الى مديات أبعد. في حين أننا نلاحظ جموداً في النشاط السياسي كما الحقوقي، وغياباً للإبداع والمبادرات الخلاقة.

مالذي ينقص الوضع البحريني لكي يكون ناضجاً؟ هناك من سيعترض بأن فترة عقد من الزمن ليست كافية، وهذا صحيح، فالنضج مسألة نسبيّة، كما أن معايير التقييم للنضج وقياسه أمر صعب ومختلف بشأنه. لكن ما نظن أن الوضع الحقوقي والسياسي بحاجة إليه اليوم يتلخص في قضيتين:

الأولى ـ إعادة الزخم للعملية السياسية: وذلك كي تبعث حيويّة أكثر في أذرع الدولة ومؤسسات المجتمع المدني. ونظنّ أن المطلوب يتعلق بمسائل تناقش اليوم علناً في الصحافة والبرلمان وهي:

ـ تفعيل البرلمان، ولنقل القادم، الذي سينتخب في نوفمبر 2010، وذلك عبر تطوير لائحته الداخلية التي تعدّ أحد المعوقات. وكذلك عبر المزيد من التعاون بين السلطتين التنفيذية والتشريعية؛ وايضاً عبر تسامي البرلمانيين على منابتهم الفئوية والحزبية والطائفية. هناك من يستشعر بعدم الرضا تجاه أداء البرلمان، الذي هو ضعيف من جهة، ومنقسم على نفسه من جهة أخرى، بحيث لم يستطع أن يؤدي دوره التشريعي والرقابي بصورة مرضية. ومثل هذا، قد يؤثر على حجم المشاركة في الإنتخابات القادمة.

ـ يجب التخفّف من البيروقراطية المزمنة في أجهزة الدولة، خاصة في المؤسسات التي لها علاقة بتقديم الخدمات ورعاية مصالح المواطنين، حيث سخط المواطنين الشديد المتصاعد تجاهها.

ـ مؤسسات الدولة بحاجة الى المزيد من الشفافية تجاه الجمهور. فالمواطنون يريدون الإطلاع على كثير من القضايا التي تتعلق بحياتهم اليومية.

ـ وهناك حاجة ماسّة الى قانون جديد للصحافة، عصري يوفر الكثير من الحرية ويقلل من الرقابة والعقوبات. ومثله هناك حاجة الى قانون جديد لمنظمات المجتمع المدني (يفترض أن يقر البرلمان المشروعين قبل انتهاء دورته).

ـ وهناك أيضاً موضوع سيادة القانون، وتطبيقه على الجميع، خاصة المسؤولين. فهذا يعزز من السلطة القضائية، ويفعّل القوانين القائمة، ويشجّع المواطنين على الإنخراط في العملية السياسية، بما يوفره من أمل وإقناع، ويحارب الوساطة والرشوات والمحسوبيات.

الثانية ـ وتتعلق بنضج اللاعبين السياسيين والنشطاء الحقوقين. فقد آن الأوان أن يتصرفوا بنضج ومسؤولية أكبر من السابق. لقد مرّ الجميع بمن فيهم المجتمع، بتجربة غير قصيرة، ويفترض أن يكون الجميع قد تعلّم منها كيفية التعايش والتعاون وتقبّل التسويات، والسمو على الإنتماءات الطائفية والحزبية، وتحمّل النقد مهما كان صعباً. آن لهؤلاء أن ينضجوا في تصريحاتهم وكتاباتهم ومواقفهم، وأن يدركوا مآل ما يقوموا به وتأثيره على بقية المواطنين، وعلى شركائهم في العمليّة السياسية.

ما نتمناه هو أن نرى أثر تجربة عشر سنوات في المجالين السياسي والحقوقي بشكل إيجابي، تفيد بأننا ـ كمسؤولين ومجتمع مدني وأحزاب سياسية ـ قد تعلّمنا منها شيئاً يمكننا أن نراكم عليه للمستقبل ومن يأتي من الأجيال القادمة.