المرصد البحريني - موقع يعنى بحقوق الإنسان في البحرين
 

الميثاق الوطني وحقوق الإنسان

حسن الشفيعي

الإنعطافة التي شهدتها البحرين عام 2001م، بدأت بإقرار الميثاق الوطني في استفتاء شعبي حاز أكثر من 98%، لم يطعن أحد في صحته فيزعم بأن النسبة كانت ملفقة أو مزوّرة. كل التيارات السياسية وباختلاف توجهاتها أيّدت الميثاق، الذي أعدّه نحو 50 شخصية وطنية، فكان الميثاق بمثابة المعبر أو القنطرة باتجاه التغيير والتحديث السياسي والتطوير الذي شهدته البحرين في ميادين مختلفة تتعلق بالحقوق السياسية والدينية وبحرية التعبير وتعزيز مفاهيم حقوق الإنسان، إضافة الى ما يتعلق بالبنية التشريعية والقضائية في الدولة.

الميثاق الوطني لم يوضع كمسكّن لوضع غير طبيعي، بل اتجه لمعالجة الملف السياسي ـ وهو الأكثر أهمية ـ بالإضافة الى ملفات أخرى. الإنسداد في الملف السياسي هو الذي يفجّر الأزمات الأمنيّة، ويعيق التنمية، ويولّد الإضطرابات والعنف. قدّم الميثاق معالجة سياسية بتحديث بناء الدولة السياسي، وهو أمرٌ قلّما تُقدم الأنظمة على تطبيقه. والآن حتى ولو وقعت أحداث توتر فإن البحرين تعتبر بسبب الميثاق أكثر استقراراً من أي وقت مضى، ذلك أن البنية السياسية القائمة قادرة على استيعاب تبعات التغيير الذي حدث، وهي قادرة على إيجاد المخارج للأزمات القائمة أو المستقبلية.

أياً كان رأينا في تقييم حزمة التغييرات التي حدثت خلال السنوات الماضية، فإن ذكرى تأسيس الميثاق استدعت تغطية واسعة من الصحافة المحلية ومن تعليقات الناشطين السياسيين والحقوقيين، ما يكشف عن حقيقة أن الميثاق مثل مرجعية التغيير في الماضي القريب، وعبره سيتم العبور نحو المستقبل.

في تقييم الميثاق بعد ثمان سنوات من إقراره، لا يبدو أن هناك اعتراضاً جادّاً على ما تضمّنه من مواد.. بل هناك إجماع سياسي على محتواه. ولكن الإعتراض على مقدار ما تمّ تطبيقه من مواد.

يسجّل للميثاق إنجازات أهمها:

1/ أنه وضع الأساس للمصالحة الوطنية، وتعميق اللحمة في علاقة الدولة بالمجتمع على أساس القانون واحترام الحقوق الأساسية للمواطنين.

2/ فتح الميثاق الباب واسعاً لتأسيس منظمات المجتمع المدني، وبينها منظمات حقوق الإنسان، إضافة الى تأسيس الأحزاب السياسية، وإن أخذت مسمّى (الجمعيات السياسية) حتى بلغت المئات في بلد صغير كالبحرين. بل أنه ألزم الحكومة بدعم تلك المنظمات والجمعيات، دون أن يلزم الأخيرة في المقابل بغير احترام القانون وسيادته.

3/ فتح الميثاق باب المشاركة السياسية عبر الإنتخابات النيابية لدورتين حتى الآن. كما أفسح المجال في الإنتخابات البلدية للدماء الجديدة بأن تشارك في إدارة الشؤون المحلية.

4/ عزّز الميثاق مكانة المرأة سياسياً واجتماعياً. والمرأة اليوم أكثر نشاطاً واقتحاماً لكافة الميادين السياسية والتعليمية والدبلوماسية وغيرها من أي وقت مضى، رغم ما يعترض ذلك من صعوبات، قد يعود كثير منها لحداثة التجربة أو للأعراف الإجتماعية.

5/ الى جانب تحديث بنية الدولة السياسية، أطلق الميثاق بداية صحيحة لقيام دولة القانون، فظهرت الكثير من التشريعات والقوانين التي تتعلق بالإصلاح السياسي والإجتماعي.

6/ عزّز الميثاق سلطة القضاء واستقلالها، رغم أن هناك نواقص عديدة يفترض تغطيتها.

7/ أطلق الميثاق شحنة من الوعي السياسي والحقوقي بين الجمهور البحريني، ساهم فيها الإعلام الرسمي والأهلي، وما كان ذلك ليتأتى لولا توسّع هامش حرية التعبير بشكل غير مسبوق في تاريخ الدولة. بل أن الحكومة نفسها تبنّت ترويج ثقافة حقوق الإنسان وتوعية المواطنين بحقوقهم.

8/ قضت مرحلة ما بعد الميثاق وبشكل شبه نهائي على الإنتهاكات التي تحدث في المعتقلات والسجون، رغم أنه لازال هناك مزاعم بهذا الشأن تنتظر التحقيق لمعرفة صحتها من عدمه، وتطبيق العقوبات على المخالفين. لقد تمّ تبييض السجون، وإنهاء قانون أمن الدولة ـ سيء الصيت.

هذه بعض منجزات الميثاق والمرحلة التي تلته.

لكن تبقى هنالك مؤاخذات تمّ تسجيلها من قبل ناشطين سياسيين وحقوقيين، أثناء مناقشة الإعلام لنواقصه في ذكراه الثامنة. بعض المعلقين تحدثوا على وجه الى الاجمال عن إعادة قراءة بعض بنود الميثاق، دون تحديد مادة بعينها بحاجة الى تعديل أو إضافة مادة جديدة. ويفترض من حديث هؤلاء أن الميثاق قد أُعدّ قبل سنوات عديدة، وبالتالي لا مانع من إعادة قراءته إن تطلب الأمر، آخذين بعين الإعتبار التجربة العملية الماضية بالنظر.

النقد الأساس تمّ توجيهه للسلطات المختلفة المسؤولة عن تطبيق بنوده. هناك تقصير وتلكؤ في تطبيق بعض مواد الميثاق، خاصة فيما يتعلّق منها بموضوع المساواة بين المواطنين ومنع التمييز. فرغم الجهود التي بذلت لازالت هناك حاجة ماسة لدفعة قويّة وربما بعض التشريعات لإلغاء هذا الملف المولّد للتوتر.

وهناك أيضاً حاجة ماسة لتفعيل بنود الميثاق في المسائل التي تتعلق بتوزيع الثروة، حيث لاتزال فئات كثيرة من المجتمع لم تستشعر حتى الآن تغييراً ملحوظاً في حياتها اليومية. فضلاً عن أن توزيع خدمات الدولة لازال غير متوازن بما فيه الكفاية، رغم الجهود المبذولة، وربما يعود ذلك لخلل بيروقراطي، أو لمشكلات ثقافية ينبغي معالجتها، أو ربما لأسباب سياسية ـ كما يرى البعض.

قيمة الميثاق بتطبيق بنوده. والبحرين ديمقراطية ناشئة، يمكن أن يتسامح مع بطء التطبيق فيها، ولكن ليس التعطيل.